علم تونسشعار تونسالجمهورية التونسيةTUNISIA/إفريقيا/العاصمة تونسالآن في تونسالصلاة القادمة
تراثقرطاج٩ دقائق قراءةمحدَّث موسميًا · أغسطس ٢٠٢٦

قرطاج: ما الذي بقي فعلًا، وأي المواقع الستة يستحق الوقت

أُدرجت سنة ١٩٧٩ ودُمّرت المدينة البونيقية سنة ١٤٦ قبل الميلاد — فما الذي تراه إذن؟ اثنا عشر مكوّنًا تسمّيها اليونسكو بالاسم، وستّ محطّات قطار تحمل اسم قرطاج، وميناء دائري وصفه مؤرّخ قديم وحفره الأثريون بعد ألفَي سنة، وأرقام رفضنا ذكرها.

بطاقة سريعة
الموقع
قرطاج
التصنيف
تراث
أفضل وقت
أكتوبر، أوّل النهار
مدة الزيارة
نصف يوم على الأقلّ
آخر تحديث
أغسطس ٢٠٢٦
الموقع الأثري بقرطاج، أساسات مكشوفة وأعمدة قائمة على مصطبة بيرصة فوق خليج تونس

١٩٧٩، والحقيقة غير المريحة: أكثر ما تراه روماني

الموقع الأثري بقرطاج أُدرج على قائمة التراث العالمي سنة ١٩٧٩ تحت الملفّ رقم ٣٧، بالمعايير (ii) و(iii) و(vi)، ومساحة ملكيته ٤٩٨٫٠٨ هكتارًا؛ والمدينة البونيقية التي يقصدها الزائر دُمّرت سنة ١٤٦ قبل الميلاد، وأُقيمت فوق أنقاضها قرطاج ثانية رومانية. أي أنّ معظم ما تقف عليه بُني بعد نهاية ما جئت من أجله.

والوصف المختصر في ملفّ اليونسكو يقولها بصراحة: قرطاج أُسّست في القرن التاسع قبل الميلاد على خليج تونس، وتحوّلت من القرن السادس إلى إمبراطورية تجارية عظيمة، ثمّ دمّرتها روما نهائيًّا سنة ١٤٦ قبل الميلاد، فقامت على أنقاضها قرطاج رومانية.

وثمّة تفصيل يفيد من يقارن المصادر: نصّ بيان القيمة الاستثنائية على الصفحة نفسها يكتب «١٤٦ ميلادية» في موضع واحد، بينما الوصف المختصر والمعيار (iii) يضعان التدمير في ١٤٦ قبل الميلاد. السنة الصحيحة هي ١٤٦ قبل الميلاد، والسهو في نصّ اليونسكو مطبعي لا خلاف تأريخي.

أمّا ما تقوله اليونسكو عن قيمة الموقع فلا يقوم على البونيقي وحده: يصفه المعيار (ii) بأنّه مكان بارز لازدهار عدّة ثقافات متعاقبة — فينيقية بونيقية، ورومانية، ومسيحية أولى، وعربية — وأنّ موانئه القديمة تشهد على تبادل تجاري وثقافي امتدّ أكثر من عشرة قرون. عشرة قرون في موقع واحد: هذا هو العرض الحقيقي، لا قرن واحد.

ويضيف المعيار (vi) أسماء يعرفها القارئ العربي: عليسة–ديدو مؤسِّسة المدينة، وحنون الملّاح المستكشف، وحنبعل أحد أعظم استراتيجيّي التاريخ العسكري، وأبوليوس مؤسّس الأدب اللاتيني الإفريقي، والقدّيسان قبريانوس وأوغسطين. الموقع مدرَج جزئيًّا لأنّه أنتج هؤلاء، لا لأنّ حجارته أجمل من غيرها.

المواقع المتفرّقة: اثنا عشر مكوّنًا تسمّيها اليونسكو

قرطاج ليست موقعًا واحدًا بل شريطًا من مواقع متفرّقة، ويعدّ ملفّ اليونسكو رقم ٣٧ مكوّناتها الرئيسية بالاسم: أكروبول بيرصة، والموانئ البونيقية، والتوفة البونيقية، والمدافن، والمسرح، والمدرَّج، والحلبة، والحيّ السكني، والبازيليكات، وحمّامات أنطونينوس، وصهاريج المالقة، والمحمية الأثرية. اثنا عشر مكوّنًا في قائمة واحدة — وهي القائمة التي ينبغي أن تخطّط عليها.

ولا نذكر عدد المواقع الفرعية التي تشملها تذكرة قرطاج الواحدة ولا ثمنها: الجهة المكلَّفة بالاستغلال التجاري للتراث الثقافي في تونس لم يعد نطاقها على الإنترنت يخدم محتوًى يتعلّق بالمواقع الأثرية في ٨ أغسطس ٢٠٢٦، وموقع المعهد الوطني للتراث لم يستجب في ذلك اليوم. فلا عدد ولا ثمن في هذه المادة.

ولا نستبدل بمصدر مشغّل مدوّنة سفر، مهما بدت واثقة. الفرق بين الاثنين أنّ أحدهما مسؤول عن الرقم إن تغيّر، والآخر لا. وما دام النصّ الرسمي غير متاح، فالصمت أصدق من رقم عمره سنتان.

والبديل ترتيب أولويات مبنيّ على النصّ نفسه. المعيار (ii) يخصّ الموانئ القديمة والتوفة بالذكر ويقول إنّ التوفة، المكان المقدّس المكرَّس لبعل، تضمّ أنصابًا كثيرة تظهر عليها تأثيرات ثقافية متعدّدة. والمعيار (iii) يخصّ الموقع بوصفه شهادة استثنائية على الحضارة الفينيقية–البونيقية. إن كان وقتك نصف يوم، فهذان أوّل ما يُقصد.

وأمّا تقييم السلامة لسنة ٢٠٠٩ فيقول شيئًا يفسّر ما ستراه بعينك: سلامة الموقع تغيّرت جزئيًّا بفعل الزحف العمراني غير المنضبط في النصف الأوّل من القرن العشرين، لكنّ الموقع احتفظ جوهريًّا بعناصر المدينة القديمة — الشبكة العمرانية، وساحة الاجتماع، والمسرح، والحمّامات، والمعابد، والحيّ السكني. فإن فاجأك أن تجد فيلّا حديثة بين موقعين أثريَّين، فذلك موصوف رسميًّا لا مصادفة.

ويضيف الملفّ أنّ الضغط العمراني القويّ استمرّ على الموقع، وأنّه احتُوي في معظمه بفضل ترتيب متنزّه قرطاج–سيدي بوسعيد على المستوى الوطني. أي أنّ ما يفصل بين موقع أثري وحيّ سكني هنا ليس سورًا بل نصّ قانوني — وهذا في ذاته سبب لأن تحمل معك فكرة واضحة عن حدود ما تزوره.

اثنا عشر مكوّنًا في نصّ واحد، وستّ محطّات قطار تحمل اسم قرطاج. مَن يقول «سأزور قرطاج في ساعة» لم يقرأ القائمة.

الموانئ الدائرية: مئتان وعشرون سفينة، وقطر لا نذكره

الميناء الحربي في قرطاج كان دائريًّا، وفي وسطه جزيرة صناعية تضمّ هي الأخرى حظائر سفن، وفوقها مقصورة مرتفعة يستطيع القائد منها أن يراقب الميناء كلّه والبحر من حوله — وتقول المصادر القديمة والأثرية معًا إنّ مجمع الإرساء الداخلي كان يسع ما يصل إلى ٢٢٠ سفينة.

هذا الوصف يعود في أصله إلى أبيّان، المؤرّخ اليوناني القديم، ويسمّي البونيقيون المرفأ «كوثون». وقد ظلّ وصفه أدبًا لا أثرًا حتى سبعينيات القرن العشرين: تقول دراسة موانئ قرطاج البونيقية إنّ موقع الموانئ لم يتأكّد ولم يُنقَّب فعليًّا إلّا في تلك الحقبة، ضمن الحملة الدولية لليونسكو — حفريات أمريكية قرب البحيرة المستطيلة وحفريات إنجليزية في البحيرة الدائرية.

ونتيجة تلك الحفريات محدّدة: أكّدت الأصل البونيقي للبحيرتين وأرّختهما بالقرن الثاني قبل الميلاد، اعتمادًا على بقايا خزفية عُثر عليها خصوصًا في حفريات أحواض الترميم. أي أنّ البحيرتين اللتين تراهما اليوم من الجوّ ليستا شكلًا طبيعيًّا بل منشأة، وعمرهما مثبت بالخزف لا بالرواية.

ولا قطر للميناء الدائري بالمتر في هذه المادة: لم نعثر على منشور حفريات نستطيع تسميته يعطي هذا الرقم في التاريخ نفسه، مع أنّه رقم يسهل نسخه من عشرات الصفحات. الرقم الوحيد المذكور هو ٢٢٠ سفينة، وهو رقم له نسب واضح.

وتضيف الدراسة نفسها تحفّظًا يستحقّ أن يُنقَل: الميناء الذي استُعمل في القرون الخمسة الأولى من تاريخ قرطاج البونيقي لم يُحدَّد موقعه بعد، ولا يُعرف إن كان في موضع البحيرتين أصلًا. أي أنّ ما تراه هو ميناء أواخر المدينة، لا ميناء نشأتها.

ولماذا هنا أصلًا؟ لأنّ الفينيقيين لم يتركوا اختيار موضع المستعمرة للصدفة: كان يلزم أن تدخل سفن الشحن الميناء بسهولة، وألّا تجعل الريح المعاكسة الوصول مستحيلًا، وأن يسهل الدفاع عن الموضع بحيث لا يحتاج المستوطنون إلّا إلى تقوية دفاعات طبيعية قائمة. وموضع «المدينة الجديدة» استوفى الشرطين: منطقة الإرساء محميّة بنتوء سيدي بوسعيد، والمدينة نفسها بين مسطّحَي ماء — بحيرة تونس اليوم وسبخة أريانة — وخلفها سلسلة تلال تشكّل خطّ دفاع طبيعي. هذه الجغرافيا هي أوّل ما ينبغي أن تنظر إليه حين تقف على بيرصة.

الحمّامات الأنطونينية: ما هو موثَّق، وما ليس كذلك

حمّامات أنطونينوس في قرطاج هي أكبر مجموعة حمّامات رومانية بُنيت في القارّة الإفريقية، وواحدة من أكبر ثلاث مجموعات في الإمبراطورية الرومانية كلّها، والأكبر خارج إيطاليا — بحسب مدخل «حمّامات أنطونينوس» في ويكيبيديا الإنجليزية.

وأمّا التأريخ فبالحكم لا بالسنة: بُنيت في عهد الإمبراطور أنطونينوس بيوس الذي حملت اسمه، وقد بدأ إنشاؤها في عهد سلفه هادريان. واستمرّت في الخدمة حتى دمّرها الوندال بعد غزوهم سنة ٤٣٩ ميلادية. ثلاثة أسماء وتاريخ واحد صريح.

وفيها تفصيل معماري يفسّر ما ستراه: بنية هذه الحمّامات فريدة مقارنةً بغيرها. فالحمّامات الرومانية المعتادة تضع مناطق الخدمة في القبو، لكنّ الطين الليّن هنا لم يحتمل ذلك، فاضطرّ المصمّمون إلى رفع البناء — ما جعل حمّامات أنطونينوس أعلى من نظيراتها. أي أنّ الارتفاع الذي يلفتك ليس ترفًا بل حلّ مشكلة تربة.

ولا نذكر ارتفاع العمود الوحيد المعاد نصبه في الموقع بالمتر: لم نعثر على مصدر نستطيع تسميته يعطي هذا الرقم. ورقم شائع في صفحات السفر لا يصير مصدرًا بتكراره.

وما يجدر أن يُعرف بدل الرقم المفقود هو الإطار القانوني الذي يحمي هذه البقعة: يقول ملفّ اليونسكو إنّ ترتيب عدد كبير من آثار قرطاج بوصفها معالم تاريخية يعود إلى سنة ١٨٨٥، وإنّ الحماية مضمونة كذلك بالمرسوم عدد ٨٥–١٢٤٦ المؤرَّخ في ٧ أكتوبر ١٩٨٥ الخاصّ بترتيب موقع قرطاج–سيدي بوسعيد، وبالقانون عدد ٣٥ لسنة ١٩٩٤، وبالقرار المؤرَّخ في ١٦ سبتمبر ١٩٩٦ المتعلّق بإحداث الموقع الثقافي بقرطاج. مئة وأربعون سنة من الترتيب القانوني المتّصل.

أكتوبر: ٢٥٫٥ درجة، وستّ محطّات تحمل الاسم

أكتوبر هو الشهر الذي يُمشى فيه هذا الموقع المكشوف: متوسط العظمى ٢٥٫٥ درجة مئوية ومتوسط الصغرى ١٩٫١ في قرطاج في أكتوبر ٢٠٢٥. وأحرّ يوم في الشهر لم يتجاوز ٣١٫٠ درجة — أي أنّ الشهر معتدل حتّى في ذروته، وهذا نادر في هذه المواد.

والفارق داخل اليوم ضيّق بفضل البحر: عند الثانية بعد الظهر ٢٥٫١ درجة، وعند الثامنة مساءً ٢١٫٨، وعند السادسة صباحًا ١٩٫٣. ستّ درجات فقط بين أحرّ ساعة وأبردها. ومجموع أمطار الشهر ٢٨٫١ ملّيمترًا — أعلى رقم مطري في هذه الحزمة كلّها، فاحسب احتمال زخّة.

والنهار يقصر بسرعة: الشروق ٠٦:١٤ في أوّل أكتوبر و٠٦:٤٢ في آخره، والغروب ١٨:٠٢ ثمّ ١٧:٢٢. أربعون دقيقة تُفقد من طرف المساء، وهو ما يجعل البدء أوّل النهار قرارًا لا تفضيلًا.

أمّا الوصول فالخطّ الحديدي تونس–المرسى (TGM) هو الجواب، وستّ من محطّاته تحمل اسم قرطاج: قرطاج صلامبو، وقرطاج بيرصة، وقرطاج درمش، وقرطاج حنبعل، وقرطاج الرئاسة، وقرطاج أميلكار. ومن قرطاج صلامبو إلى قرطاج أميلكار نحو ٣٫٢ كيلومترات، ثمّ محطّة سيدي بوسعيد بعدها بـ٠٫٦ كيلومتر.

والمشغّل شركة نقل تونس (Transtu)، وتنشر مواقيت موسمية — كان «المارش الزمني صيف ٢٠٢٦» منشورًا — لكنّ الجداول تُعرض في وثيقة لم نستطع قراءة أرقامها، فلا نذكر زمن رحلة ولا ثمن تذكرة. وأمّا كم يحتاج الموقع من وقتك، فالجواب الصادق: نصف يوم لا يكفي للاثني عشر مكوّنًا، ويكفي لثلاثة أو أربعة منها إن مشيت بين المحطّات بدل أن تحاول رؤية كلّ شيء.

مقالات أخرى عن تونس

٣

سوسة العتيقة في أغسطس: الرباط أولًا، ثم الظل

ما الذي أُدرج فعلًا سنة ١٩٨٨ وتحت أيّ رقم، ولماذا يبدأ يومك بالرباط لا بالسوق، وكم درجة تفصل الثانية بعد الظهر عن الثامنة مساءً في أغسطس على هذا الساحل — ومَن يملك المعلومات التي لم نستطع التحقّق منها بأنفسنا.

تراث

سيدي بوسعيد: من أين جاء الأزرق، و20 كيلومترًا من تونس العاصمة

لا، سيدي بوسعيد ليست على قائمة التراث العالمي — وهذه المادة تقول ما هي عليه فعلًا، وبأيّ مرسوم تُحمى ومنذ أيّ سنة، وكم يرتفع الجرف فوق خليج تونس، وكم محطّة تفصلها عن قرطاج، ولماذا نرفض أن نكرّر أشهر ادّعاء يُقال عن لونها.

على الطريق

القيروان من مئذنة الجامع الكبير: صورة 1899 وما تغيّر تحتها

صورة واحدة من سنة ١٨٩٩ التُقطت من أعلى مئذنة الجامع الكبير، وما تقوله عمّا تحتها بعد مئة وسبعة وعشرين عامًا: ما الذي أُدرج سنة ١٩٨٨ وبأيّ مساحة، وكم يبلغ ارتفاع المئذنة، ولماذا تقوم مدينة في سهل بلا نهر — ومن يملك الصورة نفسها.

تراث