القيروان من مئذنة الجامع الكبير: صورة 1899 وما تغيّر تحتها
صورة واحدة من سنة ١٨٩٩ التُقطت من أعلى مئذنة الجامع الكبير، وما تقوله عمّا تحتها بعد مئة وسبعة وعشرين عامًا: ما الذي أُدرج سنة ١٩٨٨ وبأيّ مساحة، وكم يبلغ ارتفاع المئذنة، ولماذا تقوم مدينة في سهل بلا نهر — ومن يملك الصورة نفسها.
- الموقع
- القيروان
- التصنيف
- تراث
- أفضل وقت
- أكتوبر، أوّل النهار
- مدة الزيارة
- يوم كامل
- آخر تحديث
- أغسطس ٢٠٢٦

الصورة: ١٨٩٩، ومن أين التُقطت — ومَن لا يملكها
الصورة أعلى هذه المادة التُقطت سنة ١٨٩٩ من أعلى مئذنة الجامع الكبير بالقيروان، وهي مطبوعة فوتوكروم لا صورة فوتوغرافية عادية — أي طبعة ملوّنة أُنتجت عن سالب أبيض وأسود بتقنية القرن التاسع عشر. هذه أوّل حقيقة ينبغي أن تُقال، لأنّ ألوانها ليست ألوانًا رُصدت بل ألوان أُضيفت.
وأمّا مَن يملكها فجواب غير مُرضٍ: صفحة الملفّ في ويكيميديا كومنز تسجّل المؤلّف «غير معروف»، وتضع الملكية في المِلك العام لانقضاء الحماية بموجب القانون عدد ٩٤–٣٦ المؤرَّخ في ٢٤ فبراير ١٩٩٤ المتعلّق بالملكية الأدبية والفنية، وتحيل في خانة المصدر إلى موقع تجاري لإعادة نشر الصور القديمة، لا إلى أرشيف. أي أنّ الصورة التي نعرضها لا تحمل اسم مؤسسة حافظة.
والأقرب المتاح: مجموعة مطبوعات الفوتوكروم في مكتبة الكونغرس تحتوي على مطبوعة للمنظر نفسه من مئذنة الجامع الكبير بالقيروان، مؤرَّخة سنة ١٨٩٩ أيضًا، تحت الرقم LCCN 2001699374، منسوبة إلى «مجموعة مطبوعات الفوتوكروم» لا إلى مصوّر بعينه. فإن أردت نسخة يملكها أرشيف عمومي ويمكن الاستشهاد برقمها، فتلك هي.
ولماذا مادة كاملة حول صورة عمرها مئة وسبعة وعشرون عامًا؟ لأنّها الصورة الوحيدة الصالحة المتاحة للقيروان، ولأنّ عمرها نفسه يستحقّ أن يكون موضوعها بدل أن تُمرَّر كأنّها التُقطت الأسبوع الماضي. عنوان هذه المادة يقول ١٨٩٩.
والمنظر نفسه يظلّ ممكنًا اليوم بمعنًى ما: المئذنة قائمة، والسهل تحتها قائم، والسطوح البيضاء التي تراها في الطبعة لا تزال هي النسيج الغالب داخل السور. ما تغيّر هو ما وراء الإطار — أطراف المدينة، والطرق، والبناء الحديث الذي ترصده تقارير اليونسكو باسمه. الصورة القديمة إذن ليست حنينًا؛ هي خطّ أساس تقيس عليه.
٦٧٠ ميلادية: الجامع قبل المدينة، و٦٨ هكتارًا على القائمة
القيروان أُسّست سنة ٦٧٠ ميلادية، وأُدرجت على قائمة التراث العالمي سنة ١٩٨٨ تحت الملفّ رقم ٤٩٩، بالمعايير (i) و(ii) و(iii) و(v) و(vi)، ومساحة الملكية المسجَّلة ٦٨٫٠٢ هكتارًا ومنطقتها العازلة ١٥٤٫٣٦ هكتارًا، مع تعديل طفيف للحدود سنة ٢٠١٠.
والملكية «متسلسلة» لا مساحة واحدة، وهذا تفصيل عملي: يعدّ ملفّ اليونسكو مكوّناتها بالاسم — المدينة العتيقة وضواحيها، وفسقيات الأغالبة، وزاوية سيدي الصحبي. المدينة العتيقة وحدها ٥٤ هكتارًا وضواحيها ٢٠ هكتارًا، ويحيط بها سور يمتدّ على أكثر من ثلاثة كيلومترات. أي أنّ يومك في القيروان يوم في ثلاثة مواقع متباعدة لا في مدينة واحدة مغلقة.
ويصف الملفّ القيروان بأنّها أقدم قاعدة عربية إسلامية في المغرب (٦٧٠ ميلادية) وإحدى مدنه المقدّسة الرئيسية، وعاصمة إفريقية طوال خمسة قرون. وتحت المعيار (vi) جملة تشرح لماذا يأتي الناس أصلًا: الجامع الكبير هو أوّل مكان عبادة أُسّس في المغرب، بعد وفاة النبيّ بثمانية وثلاثين عامًا فقط.
أمّا الجامع الكبير فيُقاس لا يُوصف: يقول المعيار (i) إنّ بيت الصلاة يشكّل رباعيًّا أبعاده ١٣٥ مترًا في ٨٠ مترًا، وإنّ قاعة الصلاة المعمّدة في طرفه الجنوبي تضمّ سبعة عشر بلاطًا تحملها «غابة» من أعمدة الرخام والسماق، وإنّ الصحن المبلَّط الواسع في الشمال تحيط به الأروقة ويتوسّط ضلعه الشمالي القصير مئذنة مربّعة ضخمة من ثلاث طبقات.
ويضيف المعيار (ii) رقمًا آخر يستحقّ الزيارة بذاته: مسجد الأبواب الثلاثة، المبني سنة ٨٦٦ ميلادية، هو أقدم مسجد إسلامي معروف بواجهة منحوتة. ثلاثة أرقام إذن تختصر ما يستحقّ يومك: ٦٧٠ للتأسيس، و٨٦٦ لأقدم واجهة منحوتة، و١٩٨٨ للإدراج.
وأمّا المدينة العتيقة نفسها فيصفها المعيار (v) وصفًا يصلح خريطة مشي: محميّة بأسوارها وأبوابها — باب تونس، وباب الخوخة، وباب الشهداء — ويرسم خطَّ سمائها مآذنُ مساجدها وقبابُ زواياها، وقد حافظت على شبكة أزقّتها الملتوية وبيوتها ذات الأفنية. والجدران الخارجية لتلك البيوت لا تُفتح فيها إلّا نوافذ صغيرة قليلة أو مداخل معقودة، بينما الجدران الداخلية أوسع انفتاحًا على الفناء الأوسط. هذا يفسّر لماذا يبدو الزقاق مغلقًا وبيته مضيء.
١٣٥ مترًا في ٨٠، وسبعة عشر بلاطًا، ومئذنة من ثلاث طبقات: الجامع الكبير مبنًى يُقاس بالمتر قبل أن يُوصف بالصفات.
المئذنة: ٣١٫٥ مترًا، ودعوى «الأقدم» ومن يقولها
مئذنة الجامع الكبير ارتفاعها ٣١٫٥ مترًا وتقوم على قاعدة مربّعة طول ضلعها ١٠٫٧ أمتار، ويؤدّي إلى أعلاها سلّم من ١٢٩ درجة — وهي الأرقام التي يوردها مدخل «جامع القيروان الأكبر» في ويكيبيديا الإنجليزية. ومن هذه القمّة بالضبط التُقطت صورة ١٨٩٩.
وأمّا التأريخ فالمصدر نفسه يقول إنّ المئذنة في هيئتها الحالية تعود في معظمها إلى مطلع القرن التاسع، نحو سنة ٨٣٦ ميلادية — وهي السنة التي أعاد فيها الأمير زيادة الله الأوّل بناء الجامع فاكتسب مجمله مظهره الحالي. أي أنّ البرج الذي وقف عليه المصوّر سنة ١٨٩٩ كان قد أتمّ ألف سنة وثلاثًا وستّين.
ثمّ تأتي الدعوى الشهيرة، ونعرضها كما هي مع نسبتها لا كما تُردَّد: يقول المصدر نفسه إنّ هذه أقدم مئذنة في العالم الإسلامي، وأقدم مئذنة لا تزال قائمة في العالم. وننبّه إلى أنّ ملفّ اليونسكو رقم ٤٩٩ لا يقول ذلك — هو يصف المئذنة بأنّها مربّعة وضخمة وثلاثية الطبقات، ولا يمنحها لقب الأقدم. فمن يريد أن يقتبس الدعوى فليقتبسها منسوبة، لا بوصفها موقفًا أمميًّا.
ولماذا مربّعة وضخمة إلى هذا الحدّ؟ لأنّ الوظيفة لم تكن الأذان وحده. يقول المصدر إنّ المئذنة عملت برج مراقبة أيضًا، وإنّ واجهتها المطلّة على الصحن مفتوحة بنوافذ للضوء والتهوية بينما الواجهات الثلاث الأخرى — الشمالية والشرقية والغربية — مثقوبة بفتحات ضيّقة على هيئة مزاغل. الشكل هنا يقول لك ماذا كان يُخاف منه.
وسور الجامع نفسه يقول الشيء ذاته: جدران بسمك ١٫٩٠ متر من حجر مشذّب تتخلّله مداميك من الدبش والآجر، وأبراج زوايا طول ضلع كلّ منها ٤٫٢٥ أمتار تدعمها دعائم بارزة، وتسعة أبواب. مبنى ديني بمواصفات حصن — وهو المعنى نفسه الذي رأيناه في رباط سوسة على الساحل، وقد وصل هنا إلى داخل السهل.
الفسقيات الأغلبية: ١٢٨ مترًا قطرًا، و٥٧ ألف متر مكعّب
لا تقوم مدينة في وسط سهل بلا نهر إلّا بهندسة ماء، وفسقيات الأغالبة هي تلك الهندسة: حوض كبير على شكل مضلَّع بثمانية وأربعين ضلعًا قطره ١٢٨ مترًا، وعمقه ٤٫٨ أمتار، وسعته أكثر من ٥٧٬٠٠٠ متر مكعّب. الأرقام من مدخل «فسقيات الأغالبة» في ويكيبيديا الإنجليزية.
والنظام لا يتكوّن من حوض واحد بل من اثنين متّصلين، وهو ما يصفه ملفّ اليونسكو رقم ٤٩٩ بأنّه خزّان مكشوف مؤلَّف من صهريجين متّصلين يعودان إلى القرن التاسع، ويعدّه من أجمل المجموعات المائية التي صُمّمت لتزويد المدينة بالماء. أمّا الحوض الأصغر — حوض الترسيب — فمضلَّع بسبعة عشر ضلعًا قطره ٣٧٫٤ مترًا وسعته ٤٬٠٠٠ متر مكعّب. الماء يدخل الصغير أوّلًا ليترك فيه طينه، ثمّ ينتقل صافيًا إلى الكبير.
والتاريخ دقيق: بُنيت الفسقيات بين ٨٦٠ و٨٦٢ في عهد الأمير الأغلبي أبي إبراهيم أحمد، بإشراف خلف الفتى، وهو مولى معتَق في خدمة الأمير. اسمان وتاريخان في سطر واحد — وهذا نادر في منشآت بهذا العمر.
ومن أين كان يأتي الماء؟ من سهول القيروان ومنخفضاتها عبر وادي مرق الليل وروافده، ومن قناة جُلبت بها المياه من عيون في جبال الشريشيرة على بُعد ستّة وثلاثين كيلومترًا غرب القيروان، وقد استفاد بناؤها من بنية رومانية سابقة. ولا يزال قسم مرتفع من تلك القناة طوله سبعون مترًا محفوظًا قرب مدينة حفوز الحالية.
والمعنى العملي لهذه الأرقام أنّ الفسقيات ليست محطّة صور بل جوابًا على سؤال: كيف عاشت عاصمة إفريقية خمسة قرون بعيدًا عن البحر وعن نهر دائم؟ الجواب هو ذلك المضلَّع، وتلك القناة، ونظام ترسيب. وهي — للتذكير — مكوّن مستقلّ ضمن الملكية المتسلسلة رقم ٤٩٩، أي أنّها ليست ملحقًا بل جزءًا من سبب الإدراج.
أكتوبر داخل السهل: ٢٩ درجة، وقاعدة دخول لم نجد نصّها
أكتوبر هو شهر القيروان: متوسط العظمى ٢٩٫٠ درجة مئوية ومتوسط الصغرى ١٧٫٠ في أكتوبر ٢٠٢٥. وللمقارنة، بلغ متوسط العظمى في أغسطس من السنة نفسها ٣٧٫٦ درجة — فارق ثماني درجات وستّة أعشار.
وأكتوبر داخلي بامتياز، ومعنى ذلك اتّساع الفارق اليومي: عند الثانية بعد الظهر ٢٨٫٧ درجة، وعند السادسة صباحًا ١٧٫٣، وأبرد ليلة في الشهر بلغت ١٣٫٥. اثنتا عشرة درجة بين الظهيرة والفجر — احمل طبقة إضافية إن خرجت مبكرًا إلى الفسقيات، فهي مكشوفة تمامًا.
والضوء يتراجع أسرع ممّا يُتوقَّع: الشروق ٠٦:١٤ في أوّل أكتوبر و٠٦:٤١ في آخره، والغروب ١٨:٠٣ ثمّ ١٧:٢٥. أي أنّ نهارك يقصر نحو ساعة كاملة خلال الشهر. ومجموع أمطار الشهر ٩٫٢ ملّيمترات فقط — لا تخطّط ليوم مطر، خطّط ليوم قصير.
والخطّة التي تناسب هذه الأرقام واضحة: ابدأ من الفسقيات عند الفتح حين يكون الحجر باردًا والانعكاس محتمَلًا، ثمّ ادخل المدينة العتيقة في وسط النهار حيث تظلّل الأزقّة نفسها بنفسها، واترك زاوية سيدي الصحبي لآخر النهار. ثلاثة مواقع، وسور طوله أكثر من ثلاثة كيلومترات، وستّة وثمانون هكتارًا بين ملكية ومنطقة عازلة — هذا يوم كامل لا نصف يوم.
ومن يريد أن يعرف مَن يحرس هذا كلّه فالجواب في الملفّ أيضًا: ستّة وثلاثون معلمًا داخل المجموعة التاريخية تحمل ترتيبًا خاصًّا بوصفها معالم تاريخية، والمجموعة محميّة بالقانون عدد ٣٥ لسنة ١٩٩٤، وبقرار مؤرَّخ في ١٨ أكتوبر ١٩٢١ يتعلّق بحماية أسواق القيروان وأحيائها ذات الطابع المميّز، وبمثال التهيئة العمرانية للمدينة. وقد خصّص المعهد الوطني للتراث للمجموعة وحدة إدارة. مئة وخمس سنوات إذن من الحماية المكتوبة للأسواق تحديدًا — وهو رقم يستحقّ أن يُعرف قبل الدخول إليها.
ولا نصّ رسميًّا منشورًا يحدّد قاعدة دخول غير المسلمين إلى صحن الجامع الكبير وساعات ذلك الدخول: لم نعثر على وثيقة نستطيع تسميتها وتأريخها في ٨ أغسطس ٢٠٢٦، وموقع المعهد الوطني للتراث لم يستجب في ذلك اليوم. ولذلك لا نذكر ساعة ولا قاعدة. اسأل عند الباب، والبس ما يليق بمكان عبادة قائم — فالجامع ليس أثرًا مهجورًا بل مسجد يُصلّى فيه منذ ٦٧٠ ميلادية.



