جربهود في قرية الرياض: زقاق أبيض وقوس أزرق، وما الذي يبقى من الجداريات
متى بدأ المشروع ومن أطلقه وكم فنّانًا شارك فيه بأرقام أصحابه، ولماذا هذه قرية مأهولة لا متحف مسيَّج، وما الذي أُدرج فعلًا من جربة سنة ٢٠٢٣ — ولماذا نرفض أن نعدّ لك جدارية واحدة لم نرها بأنفسنا.
- الموقع
- قرية الرياض (حارة الصغيرة)، جربة
- التصنيف
- على الطريق
- أفضل وقت
- سبتمبر، بعد الموسم
- مدة الزيارة
- نصف يوم سيرًا
- آخر تحديث
- أغسطس ٢٠٢٦

جربهود: ٢٠١٤ و٢٠٢١، وأكثر من ١٥٠ فنّانًا
مشروع جربهود بدأ سنة ٢٠١٤ في قرية حارة الصغيرة (الرياض) بجربة، ثمّ عاد في دفعة ثانية سنة ٢٠٢١، واستضاف في الدفعتين معًا أكثر من ١٥٠ فنّان شارع من نحو ثلاثين جنسية، وأنتج أكثر من ٢٥٠ جدارية وتركيبًا فنيًّا. الأرقام من الموقع الرسمي للمشروع نفسه.
ومن أطلقه؟ رواق إتينيرانس بباريس (Galerie Itinerrance)، ومديره ومؤسّس المشروع مهدي بن الشيخ. ويضيف مدخل «جربهود» في ويكيبيديا الإنجليزية أنّ التجمّع الأوّل كان في يونيو ٢٠١٤، وأنّ الفنّانين استهلكوا فيه أكثر من ٤٬٥٠٠ عبوة رشّ لإنجاز ٢٥٠ عملًا فرديًّا وجماعيًّا.
وكيف اختيرت القرية؟ يقول الموقع الرسمي إنّ الاختيار وقع على حارة الصغيرة لعمارتها التقليدية التي «تقف خارج الزمن»، وإنّ القرية صارت بفضل المشروع وجهة زائرين ونشاطًا اجتماعيًّا واقتصاديًّا متجدّدًا. وتضيف ويكيبيديا تفصيلًا إنسانيًّا يستحقّ النقل: بن الشيخ اضطرّ في البداية إلى إقناع الأهالي بأن «يمنحوا» جدرانهم للفنّانين، ثمّ إنّ بعض المتردّدين طلبوا لاحقًا أن يأتي الفنّانون ليرسموا على جدرانهم هم أيضًا.
والمشروع يصف نفسه بعبارة تفيد الزائر أكثر من أيّ وصف انطباعي: تجربة لما يمكن أن يكونه «المتحف المثالي لفنّ الشارع»، مصمَّمة حول سينوغرافيا ومسار. أي أنّ ما ينتظرك مسار مشي بين مودرن وتقليد، لا قاعة عرض.
وأمّا لماذا يُذكر تاريخا ٢٠١٤ و٢٠٢١ معًا فلسبب عملي: هذا مشروع «في تطوّر دائم» بعبارة أصحابه — تُضاف إليه أعمال وتُفقد منه أعمال. وأيّ رقم عن الجداريات لا يحمل تاريخًا هو رقم بلا معنى.
الرياض: قرية مأهولة لا متحف مسيَّج، على بُعد ٨٫٤ كيلومترات
قبل أن تمشي في زقاق هناك اعرف هذا: الرياض — واسمها المحلّي الآخر حارة الصغيرة — قرية يسكنها أهلها اليوم، وجربهود حيّ داخلها لا مَعلم مسيَّج بسور وشبّاك تذاكر. لا بوّابة تدخل منها ولا بوّابة تخرج، والجدران التي تصوّرها جدران بيوت.
وهذا يفرض سلوكًا لا نصيحة: تُخفض الأصوات في الأزقّة، ويُستأذَن قبل تصوير الناس أو مداخل البيوت، ولا يُطرَق باب. المشروع نفسه قام على أنّ الأهالي منحوا جدرانهم؛ أضعف ما يمكن أن يردّ به الزائر هو أن يتصرّف كأنّها ملك عام.
والمسافات صغيرة ومقيسة: من حومة السوق، المركز الحضري الرئيسي في الجزيرة، إلى الرياض ٨٫٤ كيلومترات ونحو عشر دقائق بالسيارة؛ ومن مطار جربة–جرجيس إلى الرياض ١٢٫٧ كيلومترًا ونحو عشرين دقيقة.
أي أنّ الرياض ليست رحلة يوم بل جولة نصف يوم من أيّ نقطة على الجزيرة تقريبًا — وهذا بالضبط ما يجعلها مناسبة لصباح واحد قبل الحرّ أو لآخر النهار بعده. الحيّ يُمشى، والمسار الذي صمّمه المشروع يُقطع سيرًا.
والإطار الذي تراه أعلاه قوس من الخزف الأزرق يعبر زقاقًا مبيَّضًا بالجير في حيّ جربهود. ليس شاطئًا، وليس معبد الغريبة، ولا تَعِد هذه المادة بأيّ منهما. ولا تحمل الصورة في حزمتنا تاريخًا مسجَّلًا، واعتمادها لـSon Tung Tran برخصة Pexels هو كلّ ما نعرفه عنها.
«في تطوّر دائم» بعبارة أصحاب المشروع أنفسهم. أيّ عدّ لجداريات بلا تاريخ هو عدّ لشيء ربّما لم يعد هناك.
جربة على قائمة التراث العالمي: ما الذي أُدرج بالضبط
جربة أُدرجت على قائمة التراث العالمي سنة ٢٠٢٣ تحت الملفّ رقم ١٦٤٠، والاسم الرسمي للملكية هو «جربة: شهادة على نمط استيطان في إقليم جزري»، وقد أُدرجت بالمعيار (v) وحده — ولم يُدرج شاطئ ولا معلم واحد، بل نمط استيطان موزَّع على الجزيرة كلّها.
ويشرح ملفّ اليونسكو ما يعنيه ذلك بدقّة: تنظيم مجالي قائم على استيطان مشتَّت وما نتج عنه من نظام اجتماعي–اقتصادي، تشكّل بين القرنين التاسع والثامن عشر، وعكس علاقة تكافل بين جماعات مختلفة الثقافات والأديان عاشت في جربة بسلام وكيّفت طريقة عيشها مع بيئة شحيحة الماء.
والوحدة الأساسية في هذا النظام لها اسمان عربيان يجدر أن يُعرفا: «المنزل» — الضيعة العائلية التي تجمع السكن بالنشاط الاقتصادي — و«الحومة»، وهي حيّ يتكوّن من عدد من المنازل ويشكّل كيانًا مكتفيًا اقتصاديًّا يستضيف نشاطًا زراعيًّا وحرفيًّا. والحومات مرتبطة ببعضها وبأماكن العبادة وبالمركز التجاري وبالأحياء السكنية عبر شبكة طرق معقّدة.
والعمارة نفسها دفاعية بامتياز، وهذا يفسّر ما تراه وأنت تجول: «الحوش» — وحدة السكن الضخمة داخل المنزل — بلا فتحات إلى الخارج وتحفّه أبراج زاوية؛ والمساجد بُنيت هي الأخرى بعقلية انعدام الأمن، قصيرة متلاصقة بمزاغل في واجهاتها وشرفات مسنَّنة، وكثيرًا ما كانت ملاجئ ومواقع مقاومة. بعضها على الساحل على مرمى صوت من بعضه للمراقبة والإنذار، وبعضها في الداخل محصَّن ثقيل، وبعضها منحوت تحت الأرض للاحتماء.
ويسمّي الملفّ صراحةً ما يهدّد هذا النظام اليوم: نموّ صناعة السياحة، وتغيّر أنماط النقل والسكن، والتخلّي الجزئي عن الزراعة، وتقسيم القطع الذي أضرّ بأصالة الحومة، و«الجنترة» في التجمّعات الحضرية حيث تتحوّل مساحات سكنية إلى استعمال سياحي. أي أنّ زيارتك نفسها جزء من المعادلة — وهذا سبب إضافي للمشي بهدوء.
ويسجّل تقييم الأصالة أنّ كثيرًا من «المنازل» ما زالت تؤدّي وظيفتها الأصلية بينما تحوّل كثير منها إلى مساكن ثانية، وأنّ مساجد كثيرة ما زالت أماكن عبادة لكنّها فقدت وظيفتها بوصفها مراكز مجتمعية أو مؤسّسات تعليمية أو منشآت مراقبة ودفاع. أمّا حالة حفظ معظم المساجد فيصفها الملفّ بأنّها مُرضية أو مقبولة بفضل ترميم منتظم، وكذلك حال العناصر المعمارية الكبرى الأخرى في الملكية مثل الفنادق — أي النُّزُل من طراز الخانات.
وخلاصة هذا كلّه لزائر الرياض: أنت لا تزور «موقعًا مدرَجًا» بالمعنى الذي اعتاده من زار مدرّج الجم أو قرطاج. أنت تمشي داخل نمط استيطان هو نفسه سبب الإدراج، وأحد أحيائه صار مسارًا لفنّ الشارع. الجداريات على الجدران، والجدران جزء من الملكية، والملكية ما زالت مسكونة — والثلاثة معًا هي ما يجعل هذه القرية مختلفة عن أيّ متحف مفتوح آخر.
الوصول: الطريق الرومانية أم العبّارة أم المطار
إلى جربة ثلاثة مداخل: طريق برّية على جسر روماني قديم عند القنطرة، وعبّارة من جرف إلى أجيم، ومطار جربة–جرجيس.
الطريق الرومانية أوّلها وأغربها: بحسب مدخل «جسر الطريق الرومانية جربة–جرجيس» في ويكيبيديا الإنجليزية، هي طريق طولها ٧٫٥ كيلومترات بناها الرومان في أواخر القرن الثاني لتربط جرجيس بالجزيرة عند بلدة القنطرة، وربّما على بقايا طريق بونيقية سابقة طولها سبعة كيلومترات، وكانت تصل مدينة مننكس القديمة في جربة بموقع «بونس زيتا» في البرّ.
وتاريخها كلّه تاريخ قطع ووصل: رُمّمت سنة ١٤٣٢ في عهد السلطان الحفصي أبي فارس عبد العزيز المتوكّل قبيل حملة ألفونسو الخامس، ثمّ فكّكها أهل الجزيرة، ثمّ أُعيد بناؤها في أواخر عهد الخليفة أبي عمرو عثمان (١٤٣٥–١٤٨٨) وقُطعت مرّة أخرى بعد وفاته خشية وصول الجيوش برًّا. وفي ١٩٥١–١٩٥٢ رُمّمت الطريق القديمة، وفي ٢٠٠٦ بُني جسر خرساني طوله ١٦٠ مترًا ليحلّ محلّ جسر ١٩٥٢ الذي لم يكن طوله غير ١٣٫٧ مترًا، وفي ٢٠٢١ بُني جسر ثانٍ بمحاذاته لتوسعة ما صار الطريق الجهوية رقم ١١٧.
أمّا العبّارة بين جرف وأجيم فلم نجد لها جدول أوقات منشورًا من الجهة المشغّلة نستطيع تسميته وتأريخه في ٨ أغسطس ٢٠٢٦، ولذلك لا نذكر مدّة عبور ولا وتيرة رحلات. وهذا نقص نفضّله على رقم بلا صاحب.
وأمّا المطار فقد مرّ ذكر مسافته وزمنه. وتبعد الرياض عن القنطرة — مدخل الطريق الرومانية — نحو ٢٦ كيلومترًا بخطّ مستقيم.
سبتمبر: ٣٢ درجة في الهواء و٢٩ في الماء، ولا عدّ للجداريات
سبتمبر هو الشهر الذي يخفّ فيه الموسم ولا يبرد فيه البحر: متوسط العظمى في الهواء ٣٢٫١ درجة مئوية ومتوسط الصغرى ٢٣٫٧ في الرياض في سبتمبر ٢٠٢٥.
وحرارة سطح البحر قبالة الجزيرة في الشهر نفسه بلغ متوسط عظماها ٢٩٫٠ درجة ومتوسط صغراها ٢٨٫٦، بمدى بين ٢٧٫٠ و٣٠٫٠ درجة. أي أنّ الماء في سبتمبر أدفأ من هواء الليل — وهذه هي الميزة الحقيقية لما بعد الموسم، لا انخفاض الأسعار.
والحرارة داخل النهار تُملي التوقيت: عند الثانية بعد الظهر ٣١٫٩ درجة، وعند السادسة صباحًا ٢٣٫٩، وأحرّ يوم في الشهر سجّل ٤٤٫٣ درجة. أزقّة القرية ضيّقة ومبيَّضة وتعكس الضوء بقسوة عند الظهيرة، فامشِ قبل التاسعة أو بعد الخامسة. والغروب ١٨:٤٢ في أوّل الشهر و١٨:٠٢ في آخره — أربعون دقيقة تُفقد.
وأمّا الأمطار فـ١٤٫٥ ملّيمترًا في الشهر كلّه؛ لا تُخطّط ليوم مطر، لكن لا تفاجأ بزخّة تغسل الجير فتجعل الألوان أشدّ.
ولم نتحقّق ميدانيًّا من بقاء أيّ جدارية بعينها في مكانها: لم نزُر القرية، ولا نملك مسحًا مؤرَّخًا للأعمال القائمة. ولذلك لا تجد في هذه المادة قائمة بأعمال «يجب أن تراها»، لأنّ جدارًا صُوّر في سنة قد يُطلى في التي تليها. والمضمون هو ما يقوله أصحاب المشروع أنفسهم: أكثر من ٢٥٠ عملًا أُنتج على دفعتين، ومسار يُمشى في قرية يسكنها أهلها.



